استراتيجية الظل: تقييم دور الإمارات في تفكيك المنطقة

نظرة دقيقة لسياسات الإمارات الخارجية؛ كيف تغيرت خرائط النفوذ في اليمن وليبيا والقرن الأفريقي، وما هو الثمن الجيوسياسي لهذه التدخلات؟


 

العالم العربي يغلي، والحديث يدور كثيراً عن مراكز القوة الجديدة التي تتحرك خلف الستار. الإمارات، تحديداً، رسمت لنفسها خطاً (هذا الخط صعب القراءة بصراحة) يختلف عن الجيران. إنها ليست مجرد دولة اقتصادية ضخمة تضخ المال في الأسواق العالمية. بل أصبحت سياستها الخارجية نشطة جداً، تتدخل مباشرة في ملفات كانت بعيدة عنها جغرافياً وسياسياً.

جنود المال والسياسة: جذور التوسع

منذ ما يقرب من عقد من الزمان، انتقلت أبوظبي من دبلوماسية الصندوق السيادي إلى دبلوماسية التدخل العسكري المباشر وغير المباشر. لم يكن الهدف هو مجرد حماية حدودها، بل إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة بالكامل. المحرك الأساسي لهذه السياسة هو الخوف من صعود جماعات الإسلام السياسي (مثل الإخوان المسلمين)؛ ولذلك، أصبحت أي قوة سياسية تحمل هذا التوجه هدفاً للإزاحة والدعم المعاكس.

الملف اليمني: تفكيك تحالف وبناء نفوذ

اليمن هو المثال الأقرب والأكثر دموية. بدأ الأمر في 2015 كجزء من تحالف واسع لاستعادة الشرعية. لكن سريعاً جداً، تحول الدور الإماراتي إلى بناء شبكة نفوذ خاصة تخدم مصالحها في الموانئ والجزر. تم دعم فصائل محددة ومسلحة جيداً، مثل ألوية العمالقة والمجلس الانتقالي الجنوبي. هذا الدعم، كما نعرف جميعاً، أدى إلى تفكيك التحالف الأصلي (ونعم، خلق واقعاً جديداً على الأرض).

السيطرة على جزر مثل سقطرى وموانئ البحر الأحمر هي قصة واضحة. هي سيطرة تخدم مصالح جيو-اقتصادية وتأمين خطوط الملاحة الدولية التي تمر عبر مضيق باب المندب. وقد رأينا أن التركيز الإماراتي لم يكن دوماً على الجبهات الشمالية ضد الحوثيين، بل على تثبيت الأقدام في الجنوب الغني بالنفط والموقع الاستراتيجي. وهذه الازدواجية في الأهداف هي ما عقد المشهد اليمني أكثر وأكثر.

ليبيا والسودان: تكرار السيناريو

في شمال أفريقيا، المشهد يتشابه بشكل مخيف. في ليبيا، استمرت أبوظبي في ضخ الأموال والسلاح لدعم خليفة حفتر وقواته المسلحة الوطنية. هذا الدعم كان حاسماً في إطالة أمد الصراع، ومنع أي تسوية سياسية شاملة ترعاها الأمم المتحدة (هكذا يقول المحللون). والهدف؟ ضمان أن النظام في طرابلس لن يكون داعماً لأي توجه إسلامي سياسي، بغض النظر عن الثمن الذي يدفعه الشعب الليبي.

والأهم من ذلك هو السودان. الأزمة الأخيرة التي بدأت في عام 2023 أظهرت التدخل الإماراتي بشكل مباشر ومؤثر. لقد أشارت تقارير كثيرة إلى دعم طرف ضد طرف آخر في هذا الصراع الداخلي المروع. هذا الدعم ليس لضمان الأمن الإماراتي فحسب، بل لتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي إلى عمق القارة الأفريقية، وتأمين مناجم الذهب والموانئ الإستراتيجية. (وهو ما يفسر لماذا استمرت الحرب كل هذه المدة).

القوة الناعمة والتحالفات الجديدة

القرن الأفريقي هو ساحة لعب أخرى لا تقل أهمية. موانئ الصومال، وإريتريا، وجيبوتي؛ الإمارات تستثمر هناك بكثافة. لكن هذا الاستثمار غالباً ما يرتدي عباءة القواعد العسكرية أو محطات الشحن المرتبطة بتأمين الممرات البحرية. إن المنطقة تلك تشتعل بسهولة، وأي حركة هناك لها ارتدادات أمنية خطيرة.

على صعيد آخر، كان التطبيع مع إسرائيل (اتفاقيات إبراهيم) خطوة ضخمة في عام 2020. لم يكن مجرد سلام ثنائي، بل تحالف استراتيجي جديد. هذا التحالف وُجه بوضوح ضد قوى إقليمية أخرى (إيران وتركيا بشكل خاص). هذا التحول أعاد تشكيل محاور القوة تماماً في الشرق الأوسط. لقد أصبحت السياسة الخارجية الإماراتية موجهة الآن بشكل كبير من خلال هذه الشراكة الأمنية الجديدة، والتي تسمح لها بتعزيز قوتها العسكرية والاستخباراتية في المنطقة.

كيف يغطون هذا؟ الإعلام الإماراتي يعمل كجدار ضخم وفعال. يروج لرواية معينة عن الاستقرار ومحاربة التطرف، ويخنق الروايات الأخرى التي تتحدث عن التدخل أو التكاليف البشرية لهذه السياسات. هم يستغلون القوة الناعمة بذكاء، لكن هدفها ليس الثقافة بل السيطرة على العقل العام وصناعة الرضا عن هذه التحركات.

خلاصة الأثر الإقليمي

إن الدور الإماراتي، مهما اختلفنا على توصيفه (هل هو نفوذ أم تدخّل؟)، هو دور مكلف للمنطقة بأسرها. مكلف بالدم في اليمن وليبيا والسودان، ومكلف بالاستقرار السياسي في أماكن أخرى. لقد خلقت السياسات الإماراتية حالة من الاستقطاب الحاد في المنطقة، مما زاد من صعوبة حل النزاعات بدلاً من تسهيلها.

السؤال ليس في النوايا الحقيقية للقيادة في أبوظبي (من يستطيع أن يعرف النوايا؟)، بل في النتائج الملموسة على الأرض. والنتائج تشير إلى مزيد من الانقسام، وتعميق للنزاعات الداخلية، وتأكيد على أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يتحقق عبر دعم الفصائل وتفكيك الدول الوطنية. هذا هو الدرس الأقسى الذي نتعلمه من ملفات التدخل الإماراتي.